محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فعل ما تقول بك لا يتعذر عليه إرسال ملك من ملائكته معك حجة لك علينا وآية لك على نبوتك وصدق مقالتك . والعرب تضع موضع " لو ما " " لولا " ، وموضع " لولا " " لو ما " ، من ذلك قول ابن مقبل : لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري يريد : لولا الحياء . وبنحو الذي قلنا في معنى الذكر قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ قال : القرآن . القول في تأويل قوله تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ اختلفت القراء في قراءة قوله : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة : " ما تنزل الملائكة " بالتاء من تنزل وفتحها ورفع " الملائكة " ، بمعنى : ما تنزل الملائكة ، على أن الفعل للملائكة . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بالنون في ننزل وتشديد الزاي ونصب الملائكة ، بمعنى : ما ننزلها نحن ، و " الملائكة " حينئذ منصوب بوقوع " ننزل " عليها . وقرأه بعض قراء أهل الكوفة : " ما تنزل الملائكة " برفع الملائكة والتاء في " تنزل " وضمها ، على وجه ما لم يسم فاعله . قال أبو جعفر : وكل هذ القراءات الثلاث متقاربات المعاني ؛ وذلك أن الملائكة إذا نزلها الله على رسول من رسله تنزلت إليه ، وإذا تنزلت إليه فإنما تنزل بإنزال الله إياها إليه . فبأي هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب الصواب في ذلك ، وإن كنت أحب لقارئه أن لا يعدو في قراءته إحدى القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والأخرى التي عليها جمهور قراء الكوفيين ، لأن ذلك هو القراءة المعروفة في العامة ، والأخرى : اعني قراءة من قرأ ذلك : " ما تنزل " بضم التاء من تنزل ورفع الملائكة شاذة قليل من قرأ بها . فتأويل الكلام : ما ننزل ملائكتنا إلا بالحق ، يعني بالرسالة إلى رسلنا ، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبه . ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يسألون إرسالهم معك آية فكفروا لم ينظروا فيؤخروا بالعذاب ، بل عوجلوا به كما فعلنا ذلك بمن قبلهم من الأمم حين سألوا الآيات فكفروا حين آتتهم الآيات ، فعاجلناهم بالعقوبة . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ، قال : أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ قال : بالرسالة والعذاب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ يقول تعالى ذكره : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وهو القرآن ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قال : وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه ، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه . والهاء في قوله : " له " من ذكر الذكر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني الحسن ، قال : ثنا